شعبيات| «جحا» شخصية عابرة للثقافات

تزخر الثقافة الشعبية المصرية بالعديد من العناصر والموروثات الثقافية التى استطاعت الجماعة الشعبية تنقلها من جيل لجيل، والتى تتمثل في العادات والمعتقدات والمعارف الشعبية، التى تعبر عن التركيبة الثقافية للشعب المصرى، والتى ظلت راسخة في الوجدان الشعبى على مر العصور، وخلال شهر رمضان المبارك، سنحاول تقديم لمحة للقارئ عن أهم العناصر الثقافية التى تميز بها الإنسان المصرى عبر العصور، ولا نزال نستخدم بعضها حتى الآن. 

في إحدى مقالات الدكتور عبد الحميد يونس، أحد رواد علم الفولكلور، التى حملت عنوان «جحا شخصية عالمية»، والذى طرح خلالها وجهًا آخر لشخصية «جحا» صاحب أشهر النوادر في الحكايات الشعبية. 

ويقول «عبد الحميد يونس»: «ربما كانت الشخصيات التى تتجمع حولها مجموعات القصص القصيرة، والتى تسمى بـ «النوادر»، وهو ما جعله في اختيار شخصية «حجا»، وهى التى استطاعت أن تنفذ إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقد اتخذت عدة أسماء، منها «جيوفا» و«جيوحا» و«جيوحن». 

ويتابع «يونس» أن شخصية «جحا» قد شغلت الكثير من المستشرقين، والذين حاولوا الكشف عن الواقع التاريخى لـ «أبى الغصن حجا الفزارى»، كما عكف بعض الدارسين في البحث عن الإطار الواعى الذى يرتكز على بقعة معينة من الأرض وفترة محددة من الزمان والبيئة الاجتماعية التى عايشتها شخصية «جحا» فجحا تعنى الشخص المتسرع في مشيه أو غير المتريث». 

وترجح الروايات أن «جحا العربى» أبا الغصن، قد ظهر في بداية الدولة العباسية، التى جاءت على أنقاض الدولة الأموية، وفى بعض الروايات التى تقول إن جحا قد عاصر العصر الذهبى، وهو عصر هارون الرشيد، فكان هارون الرشيد الحاكم المثالى في القصص الشعبى والشخصية النموذجية في كتاب «ألف ليلة وليلة». 

أما عن حكايات ونوادر «جحا»، التى لاقت قبولًا في ذاكرة ووجدان الجماعة الشعبية، في محاولة للتغلب على ما تلاقيه الجماعة من معاناة عن طريق الفكاهة، والتى خلفت وراءها تراثًا أدبيًّا وقعًّا. 

فلم يكن الغباء هو السمة الغالبة على حجا، ولكنه الذكاء الباحث عن جوهر الحقيقة، ما جعل البعض يعتقد أنه من الأولياء وله كرامات مثل شخصية «جحا الثرى»، فلم يكن «جحا مخبولًا أو ناقص العقل، ولكنه كان يتناول الأمور من أقرب الزوايا إلى الحق والواقع، فيبدو مناقضًا لما يفعله الآخرون، كما أنه كان صريحًا للغاية في التعبير عن نفسه ولا يشغل باله بالإطار الاجتماعي كثيرًا. 

كما أن شخصية جحا كانت تجمع بين الذكاء اللماح والتهكم الساخر، كما أنه لم يُفتن كما كان شائعًا في مجتمعه بالتفاصيل كاكتناز المعادن والجواهر، لأنه كان يريد أن يكون في خدمة العامة، أما مسلكه مع الحكماء فقد كان عبقريّا، إذ إنه كان يستطيع أن يحول المأساة إلى سخرية وضحك. ويقول عبد الحميد يونس: «لم تشأ الأمة العربية أن تجعل هذه الشخصية «جحا» التى أبدعتها بعبقريتها سلبية أو منعزلة، إنما جعلتها رجلا عاديا من الناس، له مشاعرهم ومواقفهم وتجاربهم، وعليه أن يسعى في سبيل العيش كما يسعى غيره، ويختلف إلى الأسواق ويرحل إلى الأمصار ويلتقى بالحكام، ويتحدث إلى العامة، وتفردت الجماعة الشعبية بأن تجعل جحا رب أسرة، له زوج وبينه وبينها ما يكون بين الرجل وصاحبته من الأحداث والمواقف، ونوادره معها تجسم فلسفته الخاصة في الحياة، بل تجسم ما يريده الشعب العربى من ترسيب التجربة». وكانت ملامح الشخصية الشعبية «جحا»، التى نسجها الخيال الشعبى، هذه الشخصية الساخرة، التى لم تقتصر فقط على مواقف جحا على علاقاته بالناس، بل تطرقت أيضًا إلى علاقاته بـ «حماره» وارتباطه به وتعاطفه معه، بل تحولت العلاقة بينهما إلى علاقة صداقة يتحدث إليه ويحكى له النكات. 

المصدر
البوابة نيوز