أخبار عاجلة
ليست قرارات عشوائية -
برشلونة يعود لـ”كامب نو” بعد غياب 3 أشهر -

التحديات التي تواجه عمان الاسباب المؤدية لمشاكلنا"١"

التحديات التي تواجه عمان الاسباب المؤدية لمشاكلنا"١"
التحديات التي تواجه عمان
الاسباب المؤدية لمشاكلنا"١"
مرتضى بن حسن بن علي

كل الخطط الخمسية، ابتداءً من الخطة الخمسية الاولى"١٩٧٦-١٩٨٠ "ومرورا برؤية "عمان ٢٠٢٠" ووصولا الى رؤية "عمان ٢٠٤٠"،تضمنت أهدافا مشتركة، يمكن تلخيصها كالاتي:

العمل على تنمية مصادر جديدة للدخل القومي، تقف الى جوار الإيرادات النفطية، وتحل محلها في المستقبل، وزيادة الاستثمارات الموجهة إلى المشروعات المدرة للدخل، والموفرة لفرص العمل، وعلى وجه الخصوص في مجالات الصناعة والسياحة والتعدين والزراعة واستثمار الثروة السمكية واستكمال بناء مقومات اقتصاد وطني يرتكز على نشاط القطاع الخاص، وإيجاد جيل جديد من العمانيين، ليقيموا بواجبهم في استكمال بناء عمان عصرية، وفقا للتغييرات التي تكتسح العالم والإحلال بدل العمالة الوافدة،وذلك عن طريق بناء منظومات تعليمية وتدريبية وتشريعية متطورة .

ورغم الانجازات الكبيرة التي تحققت خلال العقود الخمس الماضية، والتي يستوجب من الجميع المحافظه عليها، فأن القلق الذي يساورنا يتعلق بالاخفاق في تحقيق الاهداف الرئيسية النوعية للخطط السابقة.المحاولات السابقة، لدراسة الاوضاع المستقبلية،أو في تحقيق الاهداف الموضوعة، قد واجهت العديد من المشاكل والعثرات في وضع الخطط والسياسات والإستراتيجيات، المؤدية لبلوغ الاهداف. ويبدو واضحا اننا اهدرنا وقتا عند التوجه الى التطبيق الفعلي، اي ترجمة النصوص والامال الى اجرائات تنفيذية.ولم يعد سرا اننا لم نتوجه ضمن خطة واقعية،ناهيك عن الخلل الظاهر في امر الاختصاص، كما لم نستعن باصحاب الكفاءات، أولم نطبق توصياتهم. لم تكن هناك خطة لمراقبة المسار،وتصحيحه، كلما لاح اي انحراف.وكلما ارتفعت اسعار النفط،يتم نسيان ما خطط له،ويتم الانحراف عن الاهداف الموضوعة، وتزداد شهية الانفاق.

إن عملية تحويل النص والحلم الى خطوات عملية، ليست فقط عملية جهد فكري عبر الطاولات، كما إنها اكبر من محاولة يجتهد بها البعض، عبر اللجوء الى كولسات جانبية في قاعة هنا وغرفة هناك. انها اوسع مجالا من ذلك بكثير.انها محصلة جهد وطني، تستعين بكفاءات وطنية ودولية، لكي تعطي المحصلة نتائج قوية التأثير.

أساس المشكلة، التي حاولت كل الخطط الخمسية، إبتداءً من الخطة الاولى، معالجتها من دون نجاح كبير، هو تقليل إعتمادنا على النفط " الاقتصاد الريعي"،وفِي الاقتصاد الريعي فان كل ما يُصرف، وكل الفوائد المتحصلة، ناتجة من دخول غير منتجة، ويتحول الاقتصاد الى اقتصاد خدمات،يعتمد على الريع "نفط، غاز، موارد أولية"، ويؤدي الى حالة عُرفت إصطلاحا، "بالمرض الهولندي".

معظم الأقطار المعتمدة على مصدر واحد، تواجه نفس التحديات والمشاكل، مثل تحديات ايجاد الوظائف المنتجة، او دعم النمو الذاتي الشامل ،او تحسين التعليم والتدريب الخ.. القطاعات غير النفطية "الصناعة، الزراعة،السياحة الخ..." تبقى صغيرة جدا ومهملة، ونموها يبقى هشا. والتوظيف المنتج يبقى محدودا. قطاع الطاقة" النفط، الغاز" يبقى هو المسيطر ، ويخلق وظائف محدودة بصورة مباشرة،ولكنه يموّل قطاعا حكوميا كبيرا ومترهلا، وموظفين فائضين عن الحاجة، وقليلي الانتاجية، وتنتشر كثيرا العادات السلبية، مثل الاتكالية، والميول الاستهلاكية، والفساد، والمحسوبية، والمنسوبية.وفي نفس الوقت فإن القطاع الخاص يبقى ضعيفا وخدميا، ويعتمد على عمالة رخيصة، ويحاول، هو الاخر، ان يلتهم، جزءً من هذا الريع، والاكثر سرعة، أسرع التهاما " من سبق لبق"، وتزداد أعداد العمالة،قليلة الانتاجية، كلما توفرت لدى الحكومة مبالغ اكثر، والآتية، ليس من القوى الذاتية للمجتمع ،وانما من اصول ليس للمجتمع علاقة به، وهي من بقايا الحيتان والديناصورات، عاشت قبل ملايين السنين.وعندما تنهار أسعار النفط ،ترى الحكومة نفسها في مشاكل، لإنها لم تستعد لذلك اليوم وتحدياته، وتتخذ قرارات،هي عبارة عن ردود فعل عصبية، لعلاج مشاكل هيكلية بحلول تجميلية، وتتعقد المشكلة أكثر.

السبب الثاني وراء الاخفاقات التي حصلت ، يكمن في الحلول التي اعلن عنها ايا كانت، لم تكن مسلحة بالسياسات، والاستراتيجيات، والخطط، والمحاسبة، والحوكمة والرقابة المستقلة، ووضع مؤشرات كمية ونوعية. لم يكن يتم التعامل مع أساس المشكلة وطبيعتها وأسبابها العميقة،وإنما تكتفي بالتعامل مع مظاهرها، أو تقديم حلول مؤقتة (مسكِّنات) لها، واكثر القرارات كانت اجرائية ادارية .

السبب الثالث للإخفاق، هو عدم الاستمرار بصورة ممنهجة فى إتباع سياسات الإصلاح الاقتصادى والتعليمي والتدريبي والإداري والاجتماعى.لم تكن هناك سياسة مركزية للحكومة، بحيث تقوم كل وزارة بتطبيق الجزء المتعلق بها، وفق أسس معينة، كما غابت سياسات المتابعة والمحاسبة، بحيث تكون متناغمة مع ما تعملها وزارات اخرى.فكل وزارة كانت تعمل كجزيرة منعزلة عن الاخرى. تدفقات النفط المالية كانت تغطي الكثير من العيوب. نسينا ان بناء الأوطان، عملية تراكمية، لا يستطيع أي شخص او خطة، القيام بها، وإنها عملية تنسيق منتظمة، وعملية ادارة ذكية للموارد،ولا يمكن ان تكون لاية وزارة لوحدها سياسات خاصة ومستقلة عن سياسات وزارات اخرى. فمجلس الوزراء يضع الإطار العام للأهداف والاستراتيجيات والسياسات، وبدورها تضع كل وزارة خططها، لتنفيذ الجزء المتعلق بها،ويقوم مجلس الوزراء، واللجان المستقلة، بمتابعة ما تقوم بها كل وزارة، لتصحيح اي انحراف يقع او معرفة العوائق التي تواجهها اية وزارة .سياسة ترحيل المشاكل كانت السياسة المفضلة.

وعلى سبيل المثال،وفي الوقت الذي استهدفت "رؤية عمان ٢٠٢٠"، التقليل من اعداد الموظفين في الجهاز الاداري للدولة، لتنسجم مع معدل أعداد الموظفين، لكل الف من السكان في العالم، وزيادة إنتاجيتهم، نرى ان الذي حدث هو العكس تماما. لقد زادت اعداد الموظفين اضعاف المخطط لها، والتي بدأت تستنزف مبالغ هائلة من الميزانية. وعلى سبيل المثال، إرتفعت الرواتب من ٢،٦مليار ريال في عام ٢٠١٠ الى ٦،١ مليار في عام ٢٠١٦،كما انخفضت الانتاجية بشكل كبير.وبند الرواتب، هو من أكبر أسباب العجز في الموازنة العامة.

وكل ذلك، دفعنا الى الدوران، فى حلقة مفرغة،لم نحاول مراجعة ومعرفة طبيعة المشاكل التي تواجه عمان، في كل مرحلة، وتؤثر على تحقيق الاهداف. لم يكن ممكنا تجنب الأخطاء من دون تنسيق.وكل ذلك زاد من صعوبتها وتفاقمها عاما بعد عام.

لو كنا جادين في حل كل تلك المشاكل منذ ٣٠ عاما ما توصلنا الى ما نحن فيه الان، وما تكلفنا هذا العناء لحلها. فمثلا لو وُجدت قضية التعليم،الحلول الجذرية من خلال ايجاد ثورة في النظام التعليمي، لأمكننا بعد مرور ٣٠ سنة ان يكون لدينا خريجين مؤهلين بصورة جيدة ويتمتعون بمهارات عالية.

إن إعداد الرؤى و تحديد الاهداف والاستراتيجيات والخطط والسياسات، ليس عملا سهلا، بل هو عمل ذهني وفكري ونظري،ويتطلب بداية، بذل جهود كبيرة من الجهات المسؤولة عن وضع الرؤى و تحديد الاهداف والالمام بجوانب عديدة من المشكلة، التي يراد التوصل الى حلول لها ،وتوفير جميع الامكانات البشرية والمادية و التشريعية اللازمة .

إجمالا، إن تحدي اي عصر، ولا سيما عصرنا المعقد، هو تحدي الادارة والارادة في جميع المجالات، والحقيقة التي ننساها ان السياسة - اية سياسة - هي في صميمها علم وفن ادارة موارد المجتمعات المختلفة، والمتاحة، بما يوفر لهذه المجتمعات صحتها و رخائها داخل حدودها، و أمنها ومصالحها وراء هذه الحدود .

المصدر
shabiba